من أسباب حرمان العلم

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف ينال العاق بركات العلم النافع …؟

هذا عنوان خطير مهمّ غاية ، أجعله في سلك الآداب السنيّة درّة في تاج العلق النيرة، أجمعها من تحف الأجلّا أعلام الأمة الغرّاء تتناثر في بواطن أسفارهم ثم أنظمها في حلية لأنوطها في قلبي ثم في قلوبي أحبابي، تحفيزا للهمم و إيقاظا للراقدين و تنبيها للغافلين و أنا أوّل من وقف في طليعة صفوف أولاء الخاسرين.

و إنّ الدافع في كَتبِ هذه الأسطر أنّني ترامت إلى مسامعي شكوى بعض أساتذتي الذين أخذتُ منهم العلوم و نهلت من فيض علومهم ينابيع الحكم و زلول المعارف يشكو ظلم الطغام الجهّال خُلُقا و العبقري طبعا و خَلقا ممن يترعرع بثقافته على يديه و يكبر في العلم على حجره.

فإنّ الجدّ و الاجتهاد – لا يشكّ فيه الإثنان و لا ينتطح فيه الكبشان –  من أوّل مهام طالب العلم بعد إصلاح النية و التوحيد و إلحاحه في سؤاله ربّه العليم الخبير التوفيق في الطلب. و عليه فليكن مجتهدا في الطلب و باذلا قصارى جهوده و غاية وسعه مشمّرا الكم و مستغلّا جلّ دقائق  و ثواني حياته متذكّرا دائما كلام ربّه { يا يحيى خذ الكتاب بقوّة } أي بالجدّ و الاجتهاد و مستحضرا مقولة نبيّه (( إنّما العلم بالتعلمّ و إنّما الحلم بالتّحلّم)) و (( احرص على ما ينفعك و استعن بالله و لا تعجز )).

قال بعض السلف رحمه الله:

الجدّ يدني كلّ أمر شاسع       ***           و الجدّ يفتح كلّ أمر مغلق

و أحقّ خلق الله بالهمم امرؤ         ***            ذو همّة يبلى بعيش ضيق

و قيل: ” اتّخذ الليلَ جَمَلا تُدركُ بِهِ أَملاً “.

و هذا أمر يشهده الواقع و التاريخ على ممرّ  العصور و الأزمان و سجّله البشر في أكباد الحضارات الإنسانية  و هو أنّ من جدّ وجد و من حصد زرع.

و لكن لا ينس أو لا يتناسين أبدا طالبٌ أيّ طالب ذلك المفتاح الذي نحتَه له أساتذته في قعر صدره منذ نعومة أظفاره بالجوّ العلمي يوم ألّا يحسن التهجّي فضلا عن الإعراب أو التصريف و التعبير الفصيح أو لا النقد البليغ.

و لا يغفل أبدا بالأصل الأصيل في طلبه العلم. و هو أن يؤخذ من طريق التلقي و التلقين من أفواه الرّجال و مجالسة الشيوخ و الأساتذة، لا من بطون الصحف و لا الكتب، قديما قالوا:

” من دخل في العلم وحده خرج وحده “

قال بعض السلف:

يظنّ الغمر أنّ الكتب تهدي                ***                    أخا فهم لإدراك العلوم

 و ما يدري الجهول بأنّ فيها              ***               غوامض حيّرت عقل الفهيم

إذا رمت العلوم بغير شيخ                 ***              ضللت عن الصراط المستقيم

و تلتبس الأمور عليك حتّى                ***                تصير أضلّ من توما حكيم

و قال بعضهم:

من لم يشافه عالما بأصوله                ***                فيقينه في المشكلات ظنون

فبما أنّ المعلّم ذو رحم بطلاّبه كما قالوا قديما ” العلم رحم بين أهله ” و النّسب العلمي بينه و بينهم قائم منذ أوّل لقاءهم فهو أبوهم الديني العلمي،  و إنّ رمي سهام العقوق إليه ظلم جسيم كمن يطعن أباه الترابي الطيني بأدني رماح العقوق و العصيان ولو مقولة “أفّ” عدوان و عنوان اللئيم.

و للمعلّم نصيب وافر من المتعلّمين إذا دعوا ربّهم ممتثلين أمر ربّهم  ” و قل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا ” فمن ربّاك خِلقا ليحقّ له عليك خفض الجناح و البرّ و النّصح، و من ربّاك خُلقا لا يقلّ عنه حقّوق البر و النصح و التواضع و خفض الجناح الباتة فبه تتفتح عليهم أنوار المعارف و تنشرح صدورهم و تتفجر من قلوبهم ينابيع الحكم و اللطائف و يبارك لهم في علمهم و أحوالهم، و يوفّقون في أفعالهم و أقوالهم.

و من لا يلقي له بالا، و تجرأ على طيّ اللسان و رقم القلم و توجيه سنان الطعون إلى معلّمه فعلمه حرمان لا نسيب له في الميزان.

قال النّبي صلى الله عليه و سلّم : (( ليس منّا … و لا يعلم لعالمنا حقّه )) و (( لا يشكر الله من لا يشكر للنّاس )).

و قد قيل: يحتاج في التعلّم و التفقه إلى حدّ  الثلاثة: المتعلّم و الأستاذ و الأدب.

قال الزرنوجي رحمه الله: ” و ينبغي لطالب العلم أن يحترز عن الأخلاق الذميمة فإنّها كلاب معنويّة، و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلّم: (( لا تدخل الملائكة بيتا في كلب أو صورة )) و إنّما يتعلّم الإنسان بواسطة الملك …” فأي خلق أذلّ من عقوق المعلّم و سوء الأدب إليه..؟و أختم هذا بما قاله عليّ بن ابي طالب رضي الله عنه:

” أنا عبد من علّمني حرفا واحدا، إن شاء باع و إن شاء استرقّ ” يعني هو مالكه ذو التصرف فيه في العقود الملكية.

لله درّ قائل:

رأيت أحق الحقّ حقّ المعلّم        ***           و أوجبه حفظا على كلّ مسلم

لقد حقّ أن يهدى إليه كرامة        ***           لتعليم حرف واحد ألف درهم

فمن تأذى منه أستاذه يحرم بركة العلم و لا ينتفع به إلّا قليلا.

إنّ المعلّم و الطبيب كلاهما         ***          لا ينصحان إذاهما لم يكرما

فاصبر لدائك إن جفوت طبيبها     ***       و اصبر لجهلك إن جفوت المعلّم

فتح الباري اللومبوكي

السبت، 24 جمادى الآخرة 1434ه.

جاكرتا – بولاق.

Tinggalkan Balasan

Isikan data di bawah atau klik salah satu ikon untuk log in:

Logo WordPress.com

You are commenting using your WordPress.com account. Logout / Ubah )

Gambar Twitter

You are commenting using your Twitter account. Logout / Ubah )

Foto Facebook

You are commenting using your Facebook account. Logout / Ubah )

Foto Google+

You are commenting using your Google+ account. Logout / Ubah )

Connecting to %s